جلال الدين الرومي
635
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
بالألم ، ولعل مولانا هنا سبق الأفكار المعاصرة التي تقول أن الألم هو منبع الإبداع ، إن الألم هو الذي يجعلك تستخدم العلاج القديم ويبدو لك جديداً ( كل عملية إبداع تجدد المبدع ) ، وإذا كان الألم هو دليلنا ، فلماذا تشكو من هذا الدليل ( انظر حديقة الحقيقة الأبيات 4543 - 4548 والأبيات 6044 - 6046 وشروحها ) لكن عندما تشعر بالألم ، عليك أن تكون حذراً في اختيار الدواء ، لا تختر دواءً عشوائياً يدمرك وأنت لا تدرى أنك تبتعد عن الشفاء ، وما أشبه هذا الدواء العشوائى بالماء الملح يصرفك عن الماء الحلو ولا يروى ظمأك ، وما أشبهه بالعملة الرديئة التي تطرد العملة الصحيحة من السوق ، لقد خدعك هذا الدواء الخادع ، عندما قال لك : سوف أمحو ألمك ، وهو في حد ذاته ألم ، إهرب إذن من هذه الأدوية الكاذبة ، واحتفظ بالألم ، واحتضنه بعشق ( انظر البيت 3755 من الكتاب الثالث ) . ( 4336 - 4344 ) : تؤكد هذه الأبيات المعنى الذي أشرنا إليه آنفاً ، كنوزنا موجودة داخلنا ومع ذلك نشقى شقاءً لا حد له ، ونسعى ونلهث طوال حياتنا في سبيل الحصول على غير ما هو موجود متناسين بالفعل وغافلين عما هو موجود لدينا بالفعل ( انظر لتفصيل الفكرة الكتاب الرابع الأبيات 2540 - 2554 وشروحها ) ، لقد كان هذا الألم ، وكان هذا الصفع والتحقير والاتهام صعوداً لي في الحقيقة ، وهبوطاً لك ، فلو انك أيها الشرطي سعيد لحصلت أنت على هذا الكنز ، وما كانت أشد تعاستى لو كان هذا الأمر معكوساً . ( 4345 - 4349 ) : الدرويش الفقير وإن لم يعرفه أحد ، فإنه يعرف نفسه " إن لم تكن شديد الشهرة في البلاد ، فلست بالقليل والله أعلم بالرشاد ) فما قيمة أن يعرف الناس كلهم المرء وهو لا يعرف نفسه ؟ ! ومعرفة النفس هي المقدمة لمعرفة الرب " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ، أتراني إذن أحمق أيها الشرطي ، ولن أرد فبدلًا من اللجاج والخصومة آتاني الإقبال خيراً مما آتاك ، وإلا فقد أعطاني عطية عقلي الذي دفعني إلى الخروج من بغداد والسعي الذي جعل الكنز من نصيبي " والناس بقدر عقولهم يرزقون " .